وجهات سياحية

لغز المدن المنسية التي تعانق مياه البحيرات في قلب جبال البلقان المهيبة

تكشف مقدونيا الشمالية عن كنوزها الدفينة التي تمزج بين عبق التاريخ وسحر الطبيعة البكر في منطقة البلقان، وتبرز العاصمة إسكوبيه كنموذج فريد يجمع بين المعالم الأثرية القديمة والنهضة العمرانية الحديثة بأسلوب هندسي لافت، بينما تظل مدينة أوهريد شاهدة على عظمة العصور الوسطى من خلال كنائسها التاريخية المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي.

تتمتع البلاد بتاريخ حافل شهد تعاقب الإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية والعثمانية وصولاً إلى الحقبة اليوغوسلافية، ونجت هذه الدولة من الصراعات الدموية التي رافقت تفكك الاتحاد اليوغوسلافي السابق لتبدأ مرحلة بناء الهوية الوطنية الجديدة، وأدى النزاع مع اليونان حول الاسم التاريخي إلى التوصل لاتفاقية بريسبا التي تم التصديق عليها في عام 2019.

تصل درجات الحرارة في العاصمة إسكوبيه خلال فصل الصيف إلى 30 درجة مئوية أو أكثر بقليل في بعض الأحيان، وتنخفض هذه الحرارة بنحو 10 درجات كاملة في المتنزهات الوطنية الجبلية مثل منطقة مافروفو المرتفعة، وتوفر الجبال التي يتراوح ارتفاعها بين 1240 و2525 متراً فرصة ممالية لممارسة رياضة التزلج على الجليد شتاءً.

يفضل محبو المشي والتنزه بالدراجات زيارة البلاد خلال فصلي الربيع والخريف للاستمتاع بتنوع النباتات الجبلية وألوان أوراق الشجر، ويشهد الخريف موسم حصاد العنب الذي يضفي حيوية خاصة على وادي ماتكا والمناطق الريفية المجاورة، كما تستضيف مدينتا أوهريد وإسكوبيه مهرجانات صيفية تمتد لنحو 6 أسابيع من الحفلات الموسيقية والرقصات.

تتألق بحيرتا بريسبا الكبرى والصغرى عبر الحدود اليونانية والألبانية ويفصل بينهما جبل غاليتشيكا الذي يغطيه الثلج، ويستطيع الزوار ركوب الدراجات بجوار الكنائس القديمة وأكواخ الصيد التقليدية التي تطفو فوق المياه الصافية بجمالها الطبيعي، وتظهر بعض الآثار الغارقة بوضوح في الفترات التي ينخفض فيها منسوب مياه البحيرة بشكل ملحوظ.

يقع وادي ماتكا على بعد 17 كيلومتراً فقط من العاصمة ويضم نهر تريسكا الذي ينبع من ارتفاع 2000 متر، ويشق هذا النهر وادياً عميقاً عبر الصخور الجيرية تاركاً منحدرات مثالية للتسلق ومسارات طويلة مخصصة لهواة المشي، وتنتشر الأديرة القديمة المخفية في حنايا الصخور لتروي قصصاً من العزلة الروحية القديمة.

يضم متنزه مافروفو الوطني ثلاثاً من أعلى قمم البلاد وتتصدرها قمة كوراب الكبرى بارتفاع يصل إلى 2764 متراً، وتحتضن المنطقة إحدى أكبر البحيرات التي تتوسطها كنيسة القديس نيكولاس المغمورة جزئياً في مشهد بصري نادر، وتزخر الطبيعة هناك بنحو 52 قمة جبلية يزيد ارتفاعها عن 2000 متر وتغطيها الغابات الكثيفة.

تنبض مدينة أوهريد بالعراقة من خلال كاتدرائية القديسة صوفيا التي تعود للقرن 11 وكنيسة القديسة بوغوروديكا بيريفليبتا، وتخضع هذه المنطقة لحماية متنزه غاليتشيكا الوطني لضمان الحفاظ على شواطئها المخصصة للسباحة ومعالمها المعمارية، وتعد المدينة وجهة رئيسية لكل من يسعى للغوص في التاريخ الديني والثقافي لمنطقة شبه جزيرة البلقان.

سمي متنزه بيليستر الوطني بهذا الاسم نسبة إلى أعلى قمة فيه والتي يبلغ ارتفاعها حوالي 2601 متراً، وتعد هذه الجبال موطناً طبيعياً للدببة والذئاب والوعول والنسور التي تحلق فوق البحيرات الفيروزية المعروفة باسم عيون بيليستر، ويمكن للرحالة الإقامة في منازل السكان المحليين بالقرى الجبلية التقليدية للحصول على تجربة واقعية.

تظهر العاصمة إسكوبيه كمدينة مقسمة بنهر فاردار حيث تلتقي القنوات الرومانية بالمساجد العثمانية والحمامات التركية القديمة، وتبرز قلعة كالي البيزنطية التي تعود للقرن 6 كأحد أهم الحصون التي تحمي تاريخ المدينة العريق، وتوفر الجسور الحجرية القديمة ممرات عبور تربط بين الأحياء التاريخية والمنشآت الحديثة التي تزين وسط العاصمة.

يطل جبل فودنو المهيب بارتفاعه البالغ 1066 متراً على كافة أرجاء العاصمة ويعد وجهة مثالية للرحلات اليومية القصيرة، وتوجد خمسة مسارات رئيسية للمشي تبدأ معظمها من منطقة ميدل فودنو حيث يمكن استقلال التلفريك للوصول إلى القمة، وتستغرق الرحلة سيراً من ضواحي المدينة نحو 40 دقيقة تقريباً وسط أجواء طبيعية منعشة ومحفزة.

تتميز مدينة بيتولا بهدوئها النسبي وعمارتها الفريدة التي تجعلها تشبه البلدات الصغيرة بعيداً عن المسارات السياحية المعتادة، وتنتشر المقاهي والمطاعم على جانبي شوارعها لتقدم تجربة اجتماعية مميزة تعكس نمط الحياة الهادئ لسكان الريف المقدوني، وتعد هذه المدينة مكاناً رائعاً لاستكشاف الجوانب غير المعلنة من الثقافة المحلية والتقاليد الشعبية.

يعتمد المطبخ المحلي على النكهات البلقانية الأصيلة حيث يبرز طبق السارما المكون من لفائف اللحم وورق العنب، ويشتهر طبق بولنيتي بيبركي الذي يحضر من اللحم المفروم والأرز ويخبز في الأفران التقليدية ليعطي مذاقاً مميزاً، وتعد صلصة الأيفار المحضرة من الفلفل والباذنجان رفيقة دائمة لكافة الوجبات في المطاعم والبيوت على حد سواء.

تختتم التجربة المقدونية باحتساء القهوة التركية التي تعكس التأثيرات الثقافية العميقة التي تركتها الإمبراطورية العثمانية في المنطقة، ويحرص السكان على تقديم ضيافة دافئة للسياح مع تعريفهم بأهم العادات والتقاليد التي تميز هذا المجتمع المتنوع، وتظل مقدونيا الشمالية جوهرة خفية في القارة الأوروبية تستحق الاستكشاف والزيارة لما تملكه من ثروات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى