وجهات سياحية

مدينة أوروبية تنبض بالدفء وسط برودة الشتاء القارسة

تتأهب العاصمة الهولندية أمستردام لاستقبال زوارها في فصل الشتاء بحلة تضاهي قصص الخيال، حيث تتحول قنواتها المائية الممتدة إلى لوحة فنية تعكس بريق المهرجانات الضوئية التي تزين أرجاء المدينة، وتمنح الأجواء الباردة فرصة ذهبية لاستكشاف سحر المعالم التاريخية بهدوء تام بعيداً عن صخب وازدحام مواسم الذروة الصيفية المعتادة.

ينطلق مهرجان الأضواء من أواخر نوفمبر ويمتد حتى مطلع يناير ليحول ممرات المياه إلى معرض مفتوح، إذ تتهادى القوارب النهرية تحت تصاميم فنية مبهرة ابتكرها فنانون دوليون لتروي قصصاً إبداعية على صفحة القنوات، وتوفر شركات الرحلات جولات ليلية متخصصة تقدم شرحاً مفصلاً للأعمال الفنية واللمحات التاريخية المرتبطة بهوية هذه المدينة العريقة.

تستقبل المقاهي التقليدية المعروفة باسم “برون” الزائرات الباحثات عن الدفء والألفة وسط الرياح الباردة، حيث تفيض هذه الأماكن العتيقة بأجواء ودية وديكورات خشبية يزينها بلاط دلفت الأزرق والشموع المتلألئة، وتشتهر مواقع مثل مقهى دي درويف و كافيه بابن آيلاند بتقديم تجربة حميمية تعيد للروح حيويتها عبر وجبات بسيطة في قلب الأحياء التاريخية القديمة.

يحتفل الهولنديون بيوم التوليب الوطني في السبت الثالث من شهر يناير من كل عام بساحة دام، حيث تتحول الساحة المركزية الشهيرة إلى حديقة ضخمة تزدان بألوان قوس قزح من الزهور المبهجة، ويتاح للجمهور فرصة اختيار باقاتهم الخاصة من زهور التوليب مجاناً، في تقليد سنوي يعيد ألوان الربيع الزاهية إلى قلب الشتاء القارس ويجذب آلاف المهتمين.

تبرز رياضة التزلج على الجليد كشغف وطني ثانٍ يتجلى بوضوح في الأشهر الباردة بساحات أمستردام المختلفة، وتنتشر حلبات التزلج في مواقع حيوية مثل ساحة ريمبرانت لتمكن الجميع من ممارسة هذه الهواية الممتعة وسط أجواء احتفالية، وفي حالات البرد القارس النادرة تتجمد مياه القنوات تماماً لتصبح مضامير طبيعية يتهادى عليها عشاق الجليد في مشهد لا يتكرر كثيراً.

تمنح قلة أعداد السائحين في فصل الشتاء مساحة أكبر للتجول بحرية داخل المتاحف الكبرى والقاعات الفنية، إذ يقل الانتظار في الطوابير الطويلة وتصبح الشوارع الضيقة أكثر هدوءاً وقابلية للاستكشاف المتأني لروائع الفن العالمي، ومع ذلك يظل حجز التذاكر مسبقاً عبر الإنترنت خطوة ضرورية لضمان الدخول السلس والاستمتاع بالكنوز التاريخية التي تحتضنها العاصمة الهولندية في صمت الشتاء.

تكتمل ملامح الرحلة الشتوية بدمج الاسترخاء في الأماكن المغلقة مع المغامرات الخارجية فوق الماء أو الجليد، مما يجعل من أمستردام وجهة متكاملة تلبي تطلعات الباحثات عن التميز والخصوصية الثقافية، وتظل الصور الذهنية للمدينة وهي تتلألأ تحت أضواء المهرجانات من أجمل الذكريات التي يمكن حملها، لتؤكد أن جمال هذه الحاضرة الأوروبية لا يرتبط بفصل واحد فقط.

تجذب الأسواق الشتوية والفعاليات الثقافية المتنوعة الزوار لاستكشاف نكهات محلية وتذكارات يدوية الصنع تعكس روح التراث الهولندي، وتوفر الفنادق المطلة على القنوات إطلالات بانورامية على حركة المدينة الهادئة التي تعكس توازناً فريداً بين الحداثة والتقاليد، ويبقى الشتاء هو الوقت الأمثل لمن ترغب في معايشة نبض أمستردام الحقيقي وتفاصيلها الدقيقة التي قد تغيب وسط زحام الصيف.

تستمر المدينة في إبهار القادمين بقدرتها على التجدد وتطويع المناخ البارد لصالح المتعة البصرية والذهنية العالية، حيث يمتزج عبير القهوة الساخنة برائحة الأرض المبللة ونقاء الهواء النظيف ليرسم تجربة سياحية واقعية وملموسة، وتعد أمستردام في هذا الفصل دعوة صريحة للهروب من الروتين نحو عالم يقدس الفن ويحتفي بالجمال في أبسط صوره وأكثرها عمقاً وتأثيراً.

تختتم الفعاليات الشتوية نشاطها تاركة أثراً طيباً في نفوس الزائرات اللواتي خضن مغامرة التزلج أو اقتناء التوليب في يومه الوطني، وتؤكد التقارير السياحية أن الإقبال على الوجهات الهادئة في الشتاء بات توجهاً عالمياً يفضله الباحثون عن الأصالة، لتبقى أمستردام دائماً في طليعة المدن التي تفتح ذراعيها لكل من ينشد الهدوء والاستمتاع بالفنون الراقية تحت سماء الشتاء الصافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى