وجهات سياحية

وجهة تركية شمالية تعيد رسم علاقة السفر بين البحر والجبال

يحتل الساحل الشمالي الشرقي في تركيا مكانة فريدة كوجهة بكر لم تأخذ نصيبها الكامل من الشهرة السياحية بعد، حيث يمتد هذا الشريط الأخضر المطل على البحر الأسود ليرسم لوحة فنية تتعانق فيها الجبال الغرانيتية الشاهقة مع الوديان العميقة، ليوفر لزواره ملاذاً هادئاً بعيداً عن صخب المدن الكبرى وضجيج الوجهات التقليدية المزدحمة.

تتنوع الأنشطة السياحية في هذا الركن الخفي لتشمل مسارات المشي الجبلية والتجديف في الأنهار المتدفقة وسط الغابات الكثيفة، وتنتشر على طول الساحل أكثر من مئة شاطئ رملي يتميز بالسكينة والبعد عن الزحام، ومن أبرزها الشاطئ الطويل في سامسون وشواطئ سينوب التي تجذب محبي ركوب الأمواج بفضل تضاريسها الفريدة.

تستعرض مدينة طرابزون تاريخها العريق كمنطقة كانت يوماً ميناءً تجارياً مزدهراً على طريق الحرير القديم، وتضم معالم بارزة مثل آيا صوفيا التي تحولت من كنيسة بيزنطية إلى مسجد يجسد التداخل الحضاري، بالإضافة إلى منطقة أورطا محلة التي تشتهر بمنازلها العثمانية ومتحف أتاتورك الذي يعكس الأنماط الأوروبية المبكرة.

تنتشر مزارع الشاي الأسود في مدينة ريزة لتغطي المنحدرات الخضراء الحادة بمشاهد طبيعية غاية في الروعة، وتسمح مزارع عائلية مثل تشيتشيفا للزائرين بتجربة حصاد الأوراق يدوياً باستخدام السلال الخوصية والمقصات التقليدية، مما يمنح المسافرين فرصة ذهبية للتعرف على مراحل الإنتاج وتذوق الشاي في موطنه الأصلي.

تضم منطقة هضبة آيدر ووادي فِرتِنا ينابيع ساخنة وشلالات طبيعية تشبه في تدفقها طرحات العرائس البيضاء، وتوفر هذه المرتفعات مسارات مشي تمر عبر مروج الزهور نحو قمم جبال كاجكار الوطنية المغطاة بالثلوج، فيما يزخر الوادي بأنشطة الانزلاق الهوائي والجسور الحجرية العثمانية وقلعة زيلكالي التي تعود للقرن 14 الميلادي.

تتحول جبال بونتيك إلى وجهة مثالية لهواة الرياضات الشتوية بين منتصف ديسمبر ومطلع شهر مارس من كل عام، حيث يبرز منتجع تشامباشي كمركز متكامل يضم مسارات للتزلج وقرية سياحية تحتوى على مطاعم وخيارات إقامة متنوعة، بينما يمنح مركز أكداغ زواره إطلالات خلابة لا تضاهى على المناطق المحيطة في الأيام الصافية.

يُفضل زيارة الساحل في فصل الصيف للاستمتاع بالسباحة حيث تصل حرارة مياه البحر الأسود إلى نحو 24 درجة مئوية، بينما يمثل شهرا سبتمبر وأكتوبر الوقت الأمثل للتوجه نحو المرتفعات لمشاهدة تبدل ألوان الغابات الخريفية، وتوفر هذه الفترات مناخاً مثالياً لاستكشاف الجبال والقيام بجولات الطرق الوعرة في أحضان الطبيعة.

تتألق المطاعم المحلية في المنطقة بتقديم نكهات أصيلة تعكس روح المطبخ التركي الشمالي التقليدي المعتمد على الطزاجة، ويبرز مطعم باليك جيم في طرابزون كوجهة رائدة لعشاق الأنشوجة المشوية وطاجن الروبيان، فيما يقدم مطعم عثمانلي في وادي فرتينا طبق المُهلَمة الشهير المصنوع من الجبن الذائب بجانب جسر عثماني قديم.

يعد مطعم كاياديبي ساكلي باغتشه خياراً مثالياً لتناول الغداء في الهواء الطلق أثناء التوجه نحو دير سوميلا التاريخي، حيث يقع وسط أحضان الأشجار في قرية ماجكا ويشتهر بتقديم مقلي الكرنب ولحم الضأن المشوي، مما يمنح الزوار تجربة غذائية متكاملة تربط بين جودة المذاق وجمال الجلسات الريفية المفعمة بالحيوية.

تستمر تركيا في الكشف عن كنوزها الخفية عبر هذا الساحل الذي بدأ يجذب الأنظار بسرعة بفضل تحسن البنية التحتية، ويظل البحر الأسود جوهرة خضراء تنتظر من يكتشف سحرها الطبيعي قبل أن تتحول إلى وجهة عالمية مزدحمة، لتظل ذكريات المشي بين المروج وزيارة القلاع التاريخية محفورة في أذهان الباحثين عن التميز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى