رحلة المعلومات بين المسارات السريعة والتفكير المتمهل في خلايا الدماغ

كشف فريق بحثي بمؤسسة الرعاية الصحية التابعة لجامعة روتغرس الأمريكية، سر قدرة الدماغ البشري الفائقة على التنسيق بين تدفق المعلومات السريعة والبطيئة، حيث تعتمد هذه العملية الحيوية على شبكة معقدة للغاية من الروابط العصبية المتداخلة، التي تضمن تدفق البيانات بسلاسة فائقة بين مختلف المراكز الحسية والإدراكية.
أجرى العلماء تجارب دقيقة شملت نحو ستمائة وتسعين شخصاً من المتطوعين، حيث قاموا بتحليل صور الرنين المغناطيسي بدقة متناهية لرسم خرائط تفصيلية، تتبع مسارات الاتصال في كل دماغ بشري عبر استخدام نماذج رياضية متطورة، تهدف إلى رصد كيفية تكامل المعلومات بين المناطق المتباينة في سرعة استجابتها.
يعالج الدماغ البشري وفقاً للدراسة سيل المعلومات التي تصل إليه بسرعات متفاوتة، إذ تتطلب بعض الإشارات العصبية رد فعل فورياً ولحظياً لحماية الكائن، بينما تستوجب إشارات أخرى معالجة أعمق وأكثر تمهلاً لاستخلاص المعاني المعقدة، وهو ما يفرض وجود آلية تنسيق صارمة تدير هذه العمليات المتباينة.
يعتمد هذا التنسيق المذهل على روابط المادة البيضاء التي تعمل كطرق سريعة، حيث تربط بين مناطق الدماغ المختلفة وتسمح بتبادل البيانات بكفاءة عالية، ووجد الباحثون أن كل منطقة دماغية تمتلك ساعة داخلية خاصة بها، تسمى المقاييس الزمنية العصبية الجوهرية التي تحدد زمن الاحتفاظ بالمعلومات المختزنة.
تعمل المناطق المسؤولة عن الانتباه والحركة الجسدية بسرعة كبيرة جداً، في حين تميل المناطق المرتبطة بالتفكير المجرد والتخطيط الاستراتيجي إلى العمل بوتيرة هادئة، مما يخلق توازناً فريداً يتطلب تناغماً دقيقاً بين هذه الساعات الداخلية، لضمان عدم حدوث تداخل أو ضياع في جوهر الرسائل العصبية المنقولة.
ترتبط كفاءة هذا التكامل الزمني ارتباطاً مباشراً بالقدرات المعرفية المتميزة للأفراد، فأولئك الذين يمتلكون روابط مادة بيضاء متناغمة بشكل أفضل مع الاختلافات الزمنية، يميلون دوماً إلى تحقيق أداء أعلى في المهام الذهنية المعقدة، مما يثبت أن الذكاء يرتبط بجودة التوصيل العصبي وليس فقط بحجم الدماغ.
عزا الباحثون هذه الاختلافات الزمنية إلى خصائص بيولوجية أساسية في الأنسجة، تشمل التركيب الجزيئي والخلوي الذي يميز كل منطقة عن الأخرى في الدماغ، ومن المثير للاهتمام أن هذه المبادئ التنظيمية تنطبق تماماً على أدمغة الفئران، مما يشير إلى وجود نمط تطوري مشترك في إدارة البيانات.
تفتح هذه النتائج العلمية باباً جديداً لفهم جذور اضطرابات الصحة العقلية، حيث يعتقد العلماء أن الخلل في التنسيق الزمني بين مناطق الدماغ المختلفة، قد يكون هو العامل الأساسي الكامن وراء الإصابة بأمراض مزمنة مثل الفصام، بالإضافة إلى دور هذا الاضطراب في تفاقم حالات الاكتئاب الحاد.
تساعد هذه الخرائط العصبية الدقيقة في تطوير أساليب تشخيصية أكثر فاعلية، عبر مراقبة التزامن بين المناطق الدماغية واكتشاف أي قصور في سرعة نقل الإشارات، مما يمهد الطريق لابتكار علاجات تستهدف إصلاح الروابط المتضررة في المادة البيضاء، وإعادة التوازن للساعات العصبية المضطربة لدى المرضى.
تمثل هذه الدراسة حجر زاوية في فهم العلاقة بين التشريح البيولوجي والوظيفة الذهنية، إذ تؤكد أن سر قوة العقل تكمن في قدرته على دمج المعلومات المتناقضة في زمن قياسي، وتحويل الإشارات الكهربائية الخام إلى أفكار وقرارات منطقية تتناسب مع المتغيرات البيئية، التي يواجهها الفرد في حياته اليومية.
يستمر الباحثون في جامعة روتغرس في تعميق دراساتهم حول النماذج الرياضية، بهدف الوصول إلى فهم أشمل لكيفية معالجة الوعي البشري للمثيرات الخارجية والداخلية، مع التركيز على دور المادة البيضاء في حماية الدماغ من التدهور المعرفي الناتج عن الشيخوخة، أو الإصابات التي تؤثر على جودة المسارات العصبية.
تعد هذه الاكتشافات ثورة في عالم الطب النفسي والعصبي الحديث، لأنها تنقل التركيز من دراسة المناطق المنعزلة إلى دراسة الشبكات المتصلة، مما يعزز من فرص الوصول إلى مستقبل طبي يعتمد على إصلاح أعطال التواصل داخل الجمجمة، قبل أن تتحول إلى أعراض مرضية تؤثر على جودة الحياة.





