منوعات وترفيه

أسرار الدقائق الإضافية التي يقضيها سكان الطوابق العليا قبل كسر الصيام

يناقش الفقهاء حكم إفطار الصائمين في الأدوار العليا من الأبراج السكنية الشاهقة، حيث يتأخر غروب الشمس عن مستوى الأرض بفعل الارتفاع الشديد واتساع الأفق المرئي، ويقرر كبار العلماء أن العبرة في الإفطار تكمن في تحقق غروب الشمس عن عين الصائم، وذلك في موضعه الجغرافي الذي يتواجد فيه لحظة الأذان فعلياً.

يتجدد مع التوسع العمراني المتسارع في مدن الخليج العربي سؤال فقهي وعملي ملح، إذ يطرح سكان ناطحات السحاب تساؤلات حول مشروعية الإفطار مع سماع أذان المغرب، بينما لا تزال الشمس ظاهرة بوضوح من نوافذ طوابقهم المرتفعة التي تتجاوز مئات الأمتار، وهو ما يستدعي بياناً شرعياً يوضح كيفية التعامل مع هذه الحالة.

تضم المدن الكبرى ناطحات سحاب بارزة تتجاوز في ارتفاعها حاجز 100 طابق سكني، حيث يلاحظ السكان تأخر غياب قرص الشمس لدقائق معدودة عن توقيته في الطابق الأرضي، ويعود هذا التباين الزمني إلى اتساع مجال الرؤية كلما ارتفع الإنسان عن سطح البحر، مما يجعل لحظة دخول الليل تختلف باختلاف الارتفاع الرأسي للمبنى.

حسم العلماء المسألة بالتأكيد على أن الصوم لا ينتهي بمجرد سماع صوت المؤذن، بل يجب على المسلم التأكد من غياب الشمس في المكان الذي يتواجد فيه تماماً، واستند الفقهاء في ذلك إلى قوله تعالى أتموا الصيام إلى الليل كقاعدة شرعية ثابتة، وهو ما يعني أن دخول وقت الإفطار مرتبط باختفاء الضوء عن الناظر نفسه.

أوضح الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مجموع فتاواه أن من كان في مكان مرتفع، لا يجوز له أن يفطر حتى تغرب الشمس عنه هو شخصياً دون غيره، وبيّن أن من يرى الشمس بوضوح لا يحل له الفطر ولو أفطر أهل الأرض، لأن الحكم يدور مع تحقق العلة وهي غياب الجرم السماوي خلف الأفق البعيد.

أكد الشيخ عبدالعزيز بن باز أن اختلاف الارتفاع يؤدي بطبيعته إلى اختلاف مواقيت العبادات، فمن كان في الطابق الأرضي وغربت الشمس أمامه فله أن يبدأ تناول وجبته، أما من كان في دور شاهق ويرى ضوء الشمس فعليه الانتظار حتى تختفي كلياً، ويعد هذا الانتظار واجباً شرعياً لإتمام فريضة الصيام على الوجه الأكمل.

يعتمد الأشخاص الذين لا يستطيعون رؤية الأفق بسبب طبيعة التصميم المعماري على التوقيت الرسمي، حيث توفر الجهات المختصة جداول زمنية دقيقة تراعي الفوارق بين الطوابق في الأبراج العملاقة، ويساهم هذا التنظيم في رفع الحرج عن القاطنين في البنايات التي تحجب الجدران فيها رؤية لحظة الغروب الحقيقية.

يفسر المختصون في علوم الفلك هذا الفارق الزمني بارتباطه المباشر بكروية الأرض وحجم الأفق، فمن يتواجد في برج بارتفاع 300 متر قد يتأخر عنده الغروب لمدة دقيقتين تقريباً، بينما يصل الفارق في الأبراج التي تتجاوز 800 متر إلى عدة دقائق إضافية، وهو أمر علمي ثابت يتوافق مع القواعد الفقهية الموضوعة.

تعكس هذه المسألة في جوهرها مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب التحولات التقنية، فكما تعامل الفقهاء مع قضايا الطيران واختلاف التوقيت بين الدول أثناء السفر الجوي، قرروا قواعد واضحة لسكان ناطحات السحاب تضمن صحة عباداتهم في ظل هذا التوسع الرأسي، مع الحفاظ على المقاصد الشرعية للصوم.

يبقى الميزان الشرعي ثابتاً لا يتغير مهما تطاولت البنيان وارتفعت القمم السكنية في المدن، فالصيام يستمر شرعاً حتى يتحقق دخول الليل الذي لا يتم إلا بمغيب الشمس عن العين، ويظل الالتزام بهذه الضوابط هو السبيل لضمان قبول العبادة وتحقيق التقوى، بعيداً عن الاستعجال الذي قد يفسد الصوم دون قصد معنوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى