مواقع أثرية وطبيعية في العلا تكشف أسرار الحضارات القديمة الباقية

تمثل مدينة العلا واحدة من أقدم الحواضر الإنسانية في المملكة العربية السعودية، حيث شكلت قديماً نقطة التقاء تاريخية لطرق البخور والتوابل والحرير التي ربطت شبه الجزيرة العربية بمصر والهند، لتتحول اليوم إلى وجهة عالمية تبهر الزوار بقدرة الإنسان القديم على تطويع الصخور وبناء حضارة خالدة وسط الطبيعة الخلابة.
تنبض منطقة الحجر بالحياة عبر 131 مقبرة نبطية محفوظة بعناية فائقة منذ القرن الثاني الميلادي، إذ تمتد هذه العاصمة الاقتصادية القديمة على مساحة 13.4 كيلومتراً لتكون أول موقع سعودي يدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، شاهدةً على براعة النباطة في نحت الجبال وتحويلها إلى رموز معمارية تحبس الأنفاس.
تحتضن محمية شرعان الطبيعية نظاماً بيئياً حساساً يمتد على مساحة 1500 كيلومتر مربع، حيث تعمل جهود خبراء الحفاظ على البيئة لإعادة توطين الحيوانات المهددة بالانقراض كالذئاب العربية والغزلان والوعول، مما يتيح للزوار فرصة فريدة لمشاهدة الحياة الفطرية والطيور الجارحة في موطنها الأصلي شمال شرق المدينة القديمة.
تنتج واحة العلا الخصبة أكثر من 90 ألف طن من التمور سنوياً بفضل وجود 2.3 مليون نخلة شامخة، إذ توفر هذه الغابة الخضراء الظل اللازم لنمو 200 ألف شجرة حمضيات متنوعة بين البرتقال والجريب فروت، مشكلةً بذلك حجر الزاوية للنظام البيئي ومصدراً أساسياً لدخل المجتمعات المحلية التي تعيش في أحضان الصحراء الذهبية.
يستقطب حي الفنون الجديدة محبي الاستكشاف عبر شوارعه الجذابة المخصصة للمشاة، حيث تتزين الجدران بجداريات فريدة وفنون شارع منسقة تحكي قصصاً إنسانية من خلال الخط والطلاء، وتنتشر في أرجائه المقاهي الحرفية وعربات الطعام التي تقدم تجارب طهي متنوعة تمزج بين روح الواحة وحداثة المطاعم العالمية المبتكرة.
تتلألأ ملايين النجوم في سماء منطقة الغراميل بعيداً عن أضواء المدن الصاخبة، حيث توفر الأعمدة الصخرية الغريبة خلفية ساحرة لمراقبة الأبراج السماوية بالعين المجردة دون الحاجة لتلسكوبات، ويستمتع الزوار في الليالي المظلمة بجولات مشي قصيرة تنتهي بجلسات سمر حول نار المخيم وتناول وجبة عشاء مشوية تحت قبة زرقاء داكنة.
تضم البلدة القديمة في العلا نحو 900 منزل عتيق و500 متجر موزعة بأسلوب معماري يعكس نمط الحياة الحضرية في الماضي، إذ بُنيت هذه المدينة باستخدام الطين والطوب لتعكس مهارة البناء التقليدي، وتسمح للسياح بالانغماس في تفاصيل التاريخ اليومي للسكان الذين سكنوا هذه الممرات الضيقة لقرون طويلة.
يتحول جبل عكمة إلى مكتبة مفتوحة تسرد حكايات الحضارات التي ازدهرت في المنطقة عبر آلاف السنين، حيث يحتوي المنحدر الصخري الشاهق على أكثر من 450 نقشاً عربياً قديماً تم تسجيلها في ذاكرة العالم لدى اليونسكو عام 2023، ويمكن للزوار الاستعانة برواة محليين لفك رموز هذه النقوش وفهم القصص المحفورة على الصخور.
يوفر المسار الطبيعي في واحة العلا فرصة للتنزه لمسافة 6 كيلومترات بين أشجار المورينجا والحمضيات والنخيل، حيث يتعرف الضيوف على الممارسات الزراعية التقليدية التي حافظت على اخضرار هذا الملاذ في قلب الصحراء، مما يجعل التجربة مزيجاً مثالياً بين الاستجمام في أحضان الطبيعة والتعرف على التراث البيئي العريق للمملكة.
تقع العلا على بعد 300 كيلومتر شمال المدينة المنورة لتشكل حلقة وصل استراتيجية بين البحر المتوسط والقارات الأخرى، حيث يتعايش فيها التراث الإنساني الممتد لآلاف الأعوام مع التكوينات الجيولوجية النادرة، لتظل هذه المدينة رمزاً للكفاءة البشرية في بناء حضارات مستدامة وسط بيئة صحراوية قاسية تحولت اليوم إلى أيقونة سياحية عالمية.





