وجهات سياحية

خطط إستراتيجية لإطالة مدة الإقامة عبر تطوير المتاحف والأحياء التاريخية في مكة المكرمة

تتبنى مكة المكرمة نهجاً تنموياً فريداً يستهدف تحويل الفضاءات العامة إلى مراكز جذب حضري، حيث تعمل الجهات المختصة على صياغة منظومة سياحية ترفيهية متكاملة توازن بين القدسية الدينية والنمو الحضاري، وتسعى هذه الخطط لرفع مستوى جودة الحياة وتنشيط الاقتصاد المحلي عبر تنويع الخيارات المتاحة للسكان والزوار على حد سواء.

يستهدف التوجه الإستراتيجي الحالي بناء نموذج مدينة متكاملة تعتمد على تفعيل المساحات المفتوحة، وتوسيع نطاق التجارب الثقافية والترفيهية لتعزيز الترابط المجتمعي بين كافة الفئات، مع التركيز على دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تساهم في دفع عجلة التنمية الشاملة، بما يحقق مستهدفات رؤية 2030 وبرامج جودة الحياة الوطنية.

برزت فعالية شتاء مكة كأحد أهم النماذج التطبيقية التي نجحت في إعادة توظيف المواقع الترفيهية المؤقتة، إذ أسهمت هذه الأنشطة في خلق أنماط جديدة للتفاعل الاجتماعي تجمع بين أصالة الثقافة ومتعة الترفيه العائلي، ووفرت بيئة خصبة لجذب مئات الآلاف من الزوار الذين وجدوا فيها متنفساً حضرياً يتلاءم مع احتياجاتهم وتطلعاتهم.

استقطب الموسم الشتوي أعداداً ضخمة تراوحت ما بين 300 ألف إلى 400 ألف زائر من مختلف المشارب، حيث شكل سكان العاصمة المقدسة نسبة تتراوح بين 60 إلى 65 في المئة من إجمالي الحضور، مما يؤكد تحول هذه الفعاليات إلى منتج حضري يخدم المجتمع المحلي، ويسجل ارتفاعاً في ارتياد الفضاءات العامة بنسبة تجاوزت 30 في المئة.

حفزت الأنشطة الترفيهية المصاحبة للموسم الحركة الاقتصادية بشكل مباشر عبر خلق فرص عمل وافرة، فقد تم توفير ما يقارب 900 إلى 1,200 فرصة عمل مؤقتة في مجالات التنظيم والبيع بالتجزئة، بالإضافة إلى تقديم الدعم لأكثر من 150 منشأة تجارية، مما يعكس الأثر الملموس لهذه الفعاليات على استدامة النمو المالي للأسر والشباب.

قدم برنامج صناع الحرف في حي حراء الثقافي تجربة متقدمة تمزج بين السياحة الثقافية والاقتصاد الإبداعي، حيث أعاد البرنامج إحياء الموروثات التقليدية في قالب تفاعلي يحول التراث إلى نشاط معرفي حي، ويسهم في تعزيز الهوية الثقافية غير المادية للمكان، مع تحسين جودة الحياة من خلال ربط الزوار بجذورهم التاريخية بأسلوب مبتكر.

حول البرنامج الحرفة التقليدية إلى تجربة معيشية متكاملة تتيح للزوار المشاركة المباشرة في عمليات الإنتاج، وذلك من خلال ورش العمل الحية والعروض التطبيقية التي ترفع مستوى الارتباط العاطفي بالمكان، وتقدم بدائل تعليمية ممتعة تستهدف كافة الأعمار، مما يكرس دور المناطق التاريخية كمناطق جذب سياحي وثقافي متطور.

شارك في هذا المحفل الثقافي ما بين 80 إلى 120 حرفياً وحرفية استعرضوا مهاراتهم أمام الحشود الغفيرة، وقد تجاوز عدد الزوار حاجز 130 ألف شخص تفاعلوا مع الحرف اليدوية بشكل مكثف، حيث بلغت المبيعات المباشرة للمنتجات ما يقدر بـ 2 إلى 3 ملايين ريال، مما يعطي مؤشراً قوياً على نجاح الاستثمار في التراث.

سجلت لغة الأرقام متوسط زمن تفاعل مرتفع للزائر داخل الأركان الحرفية يتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة، وهو ما يعد مقياساً لجودة التجربة الثقافية ومدى قدرتها على استثواب اهتمام المتلقين، وتأتي هذه المبادرة ضمن خطة أوسع لتطوير المتاحف والمواقع التاريخية، بما يعزز مكانة المدينة كعاصمة روحية وإنسانية رائدة عالمياً.

تساهم هذه المشاريع في إطالة مدة إقامة الزوار وتحسين توزيع الحركة السياحية في مختلف أحياء المدينة، حيث تعمل المنظومة على خلق فرص عمل مستدامة في قطاعات السياحة والثقافة، مما يجعل من الترفيه الهادف رافداً أساسياً للتنمية، ويضمن استمرارية تحويل الفضاءات العامة إلى نقاط إشعاع حضاري وجمالي مستمر.

تستمر مكة المكرمة في تعزيز ريادتها كنموذج حضري يجمع بين الأصالة والحداثة في آن واحد، لتقدم للعالم رؤية متكاملة حول كيفية استثمار المواقع التاريخية في بناء مستقبل مزدهر، يضع رفاهية الإنسان وتنمية المكان في مقدمة الأولويات، لتظل المدينة وجهة عالمية تلهم الزوار وتخدم القاطنين بأعلى معايير الجودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى