أسرار تناول العشاء في ظلام دامس لاستعادة حواس التذوق بعيداً عن الشاشات

يلاحظ السائح عند زيارة العاصمة البلجيكية بروكسل انتشار جولات طعام متخصصة، تركز على تذوق الشوكولاتة الفاخرة وكعكة الوافل الشهيرة وأطباق بلح البحر والبطاطس المقلية، حيث لا يهدف ارتياد هذه المطاعم إلى سد الجوع فحسب بل للتعرف إلى الهوية الثقافية والمذاقات المحلية، التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من تجربة السياحة في هذه المدينة العريقة.
يشتهر المطبخ البلجيكي عالمياً باعتماده الكبير على المكونات الموسمية الطازجة، مثل الكراث والروبيان الرمادي والهليون الأبيض والهندباء والملفوف المعروف بكرنب بروكسل، وتجسد الأطباق التقليدية العريقة مثل اليخنة الفلمنكية وبراعم بروكسل وزبدة التفاح عمق الثقافة الطهوية، التي تأثرت بمرور الزمن بالإمبراطورية الرومانية ومطابخ الدول المجاورة كفرنسا وألمانيا وهولندا.
يعتقد العديد من المؤرخين أن أصل البطاطس المقلية “فريتن” يعود إلى قرويي وادي الميز، الذين بدأوا بقلي شرائح البطاطس في نهاية القرن 17 عندما تجمد النهر وتعذر عليهم صيد الأسماك، وتتميز هذه البطاطس في بلجيكا بطراوتها الداخلية وقرمشتها الناتجة عن قليها مرتين في درجات حرارة مختلفة، وتقدم عادة في مخروط ورقي مع صلصة المايونيز.
يعتبر العشاء الوجبة الأهم في اليوم بالنسبة للمواطن البلجيكي حيث تضم مائدته اليخاني المعدة من اللحوم، بينما يكتفي في الغداء بخبز الباجيت المحشو بالأجبان المحلية أو الدواجن المتنوعة، ويقال إن الطعام في هذا البلد يجمع بذكاء شديد بين جودة المطبخ الفرنسي، وكمية الأطباق المشبعة التي يتميز بها المطبخ الألماني التقليدي.
يتمثل الطبق الوطني الرسمي للبلاد في الـ “مول إي فريت” أو بلح البحر والبطاطس، ويجمع بلح البحر طازجاً من الساحل الفلمنكي لتقديمه كوجبة رئيسية شائعة خاصة في فصل الشتاء، عندما يقل توافر الأطعمة الأخرى في الأسواق المحلية، مما يجعله خياراً غذائياً غنياً وتقليداً مستمراً لدى العائلات والمطاعم على حد سواء.
يعود تاريخ الوافل البلجيكي إلى العصور الوسطى حين كان يطهى بين ألواح حديدية ثقيلة، ويتميز هذا النوع عن نظيره الأمريكي بعجينه الأخف وزناً ومربعاته الأكبر وجيوبه الأعمق التي تحتفظ بالإضافات، وقد ازدادت شعبيته العالمية بعد عرضه في معرض إكسبو 58 في بروكسل، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويحقق نجاحاً ساحقاً هناك.
يقدم مطعم “DANS LE NOIR” الواقع داخل فندق ستانوب تجربة استثنائية لتناول الطعام في ظلام دامس، حيث يهدف القيمون عليه إلى دفع الزوار لتجربة الأكل بوعي تام عبر حواس اللمس والشم والتذوق، ويقوم على خدمة الضيوف فريق من المتخصصين المكفوفين، الذين يساعدون الناس على التركيز في جودة المكونات الموسمية بعيداً عن مشتتات النظر.
يحمل مطعم “Au Vieux Saint Martin” حكاية عائلية بدأت منذ عام 1968 في حي سابلون، وكان هذا المكان مقصداً دائماً للفنانين السرياليين ورسامي القصص المصورة مثل هيرجيه صاحب مغامرات تان تان، وقد حافظ المطعم على وصفته الأصلية لطبق “فيليه أمريكان” التي اخترعها الجد جوزيف نيلز منذ قرن من الزمان، مما جعله معلماً أيقونياً مسجلاً.
تتعدد الوجهات المتخصصة في تقديم بلح البحر مثل مطعم “Le Chou de Bruxelles” الذي يقدم 30 نوعاً منه، ومطعم “Zinneke” الذي يتبع نهج الطعام البطيء عبر 60 وصفة تقليدية محلية الصنع، كما يبرز مطعم “Chez Leon” العائلي الذي يخدم زواره منذ 125 عاماً بأسلوب ودي مفعم بالحيوية والنشاط في قلب العاصمة.
يصنف المتخصصون الوافل في بلجيكا إلى نوعين هما وافل بروكسل الخفيف المقرمش ووافل لييج الأكثر كثافة، حيث يتميز الأخير بسكر اللؤلؤ المخلوط الذي يتكرمل أثناء الطهي ليصنع قشرة ذهبية مقرمشة وقواماً مطاطياً، ويعد “Maison Dandoy” من أشهر المواقع التي تقدم هذه الفطائر الطازجة بالقرب من القصر الكبير، رغم طوابير الانتظار الطويلة والأسعار المرتفعة.
يستطيع الباحثون عن خيارات نباتية التوجه إلى “Veganwaf” الذي يوفر وافل خالياً من الغلوتين داخل معرض فني، بينما يفضل البعض “La Gaufrerie” القريب من تمثال مانيكين بيس الشهير للحصول على وافل طازج بالقوام المثالي، في رحلة طهوية غير تقليدية تمزج بين التاريخ العريق والمذاقات المبتكرة التي ترضي كافة أذواق السائحين ببروكسل.





