رحلة عبر الزمن تكشف أسرار الدرعية المخبأة بين الطوب القديم

تزخر مدينة الدرعية التاريخية بأكثر من 300 عام من الثقافة والتراث السعودي العريق، وتستقبل السياح من كافة أنحاء العالم للتعرف على الجذور الأصيلة للدولة السعودية الأولى، إذ تقع هذه الوجهة النابضة بالحياة على بعد 20 دقيقة فقط من قلب العاصمة الرياض، وتتميز بمبانيها المشيدة من الطوب اللبن التقليدي التي تعكس هندسة معمارية سبقت عصرها بكثير.
يمثل حي الطريف المرمم القلب النابض للدرعية وهو موقع مدرج على قائمة التراث العالمي لاليونسكو، ويقدم الحي لزواره رحلة تاريخية استثنائية عبر القصور والمساجد والحصون التي تعكس براعة أساليب البناء النجدية، وتنسجم هذه العمارة بسلاسة مذهلة مع طبيعة الصحراء المحيطة، مما يحول المدينة إلى متحف حي يعرض تفاصيل العيش القديم وكرم الضيافة العربية.
يعتبر قصر سلوى معلماً بارزاً يجسد حقبة حاسمة في نشأة الدولة السعودية الأولى، ويمتد هذا الصرح المعماري المتين على مساحة تزيد عن 10,000 متر مربع ويضم سبعة مبانٍ سكنية متعددة الطوابق، كما يتميز بواجهاته التي تحتوي على نوافذ مثلثة الشكل صممت بذكاء للتهوية وإدخال الضوء الطبيعي، ويرتبط القصر بمسجد الطريف عبر جسر حجري مهيب يعلو جداراً سميكاً.
تتألق منطقة مطل البجيري كوجهة عصرية توفر إطلالات خلابة على حي الطريف والمعالم الأثرية المحيطة، وتضم الشرفة أكثر من 20 مطعماً عالمياً تقدم أشهى المأكولات التي تمزج بين الأذواق المحلية والدولية، بالإضافة إلى التخطيط لإنشاء ساحة الدرعية الكبرى التي ستهدف مستقبلاً لتوفير 400 علامة تجارية فخمة وفنادق عالمية، لتعزيز تجربة الزوار الباحثين عن الرفاهية والتسوق.
يشكل حي السمحانية واحداً من أبرز الأحياء التراثية التي تضم 36 مبنى مبنياً من الطوب اللبن فوق هضبة مثلثة، ويطل الحي بموقعه الاستراتيجي على وادي حنيفة عند ملتقى روافد القرى القديمة، حيث تلتقي عراقة الأزقة الطينية بفخامة الفنادق الراقية مثل فندق باب سمحان، ليقدم للضيوف تجربة إقامة تمزج بين عبق الماضي واحتياجات العصر الحديث في تناغم فريد.
تزخر الدرعية بجمال طبيعي خلاب يحيط بأطلالها التاريخية من خلال بساتين النخيل الوارفة، وتقع المدينة على حافة الصحراء مما يمنح الزوار فرصة نادرة للهروب من صخب المدن الكبرى والاستمتاع بسكينة الريف، ويمتد وادي حنيفة بجداوله الصافية ونباتاته الكثيفة كمصدر قديم للري ومحطة استراحة تاريخية للمسافرين، بينما يوفر اليوم مسارات ممتعة للمشي والتنزه بين المواقع الأثرية والآبار القديمة.
تطلق الدرعية سلسلة من الفعاليات الثقافية والرياضية الكبرى التي تجذب آلاف الزوار سنوياً، ويحول مشروع ليالي الدرعية واحات النخيل إلى وجهات مفتوحة للتسوق الراقي ومشاهدة العروض الفنية الحية تحت ضوء النجوم، بينما يقدم حدث منزال تجربة تخييم فاخرة ومراقبة للنجوم في أحضان الطبيعة، مما يجسد إبداع المنطقة وقدرتها على دمج التراث بالأنشطة الترفيهية الغامرة.
يدعو معرض هل القصور الزوار لخوض رحلة تفاعلية تستعرض قصص الأجيال المؤسسة للمملكة من خلال عروض حية ومعارض فنية، ويعيد هذا الحدث إحياء روح القصور القديمة بأسلوب سردي مشوق يربط الحاضر بالماضي، كما يوفر برنامج الحويط في حي الظويهرة تجربة عائلية تجمع بين اللعب وسرد القصص للأطفال، بهدف غرس التقاليد السعودية في نفوس الأجيال القادمة برؤية إبداعية.
يحتفي حدث طين في حي الطريف التاريخي بجمال العمارة النجدية والحرفية اليدوية التقليدية، ويستكشف الزوار من خلال الورش التفاعلية والندوات أهمية البناء بالطين المستدام كجزء أصيل من الهوية الوطنية، بينما تأتي تجربة المسلية في حي الظويهرة لتكمل هذا المشهد الثقافي بورش عمل موسيقية، تهدف لربط الأجيال وتوفير متعة الاكتشاف للأطفال والشباب في قلب المواقع الأثرية.
تستمر الدرعية في التطور كوجهة سياحية عالمية تجمع بين أصالة الجذور وطموحات المستقبل الواعد، وتوفر المتاحف والقاعات الفنية المنتشرة في أرجائها مادة غنية للباحثين عن المعرفة التاريخية والعمق الثقافي، لتبقى “مدينة الأرض” شاهدة على عظمة التاريخ السعودي وقدرة الإنسان على تطويع البيئة الصحراوية لبناء حضارة مستدامة، ترحب بالزوار من كل حدب وصوب لاستكشاف أسرارها الدفينة.





