حيث يجتمع الناس دون موعد.. مجالس البيوت الطينية ترسم صورة واضحة للهوية الاجتماعية

ترسم مجالس البيوت الطينية في القرى والبلدات القديمة بمنطقة الحدود الشمالية صورة واضحة للهوية الاجتماعية، وتظهر بوصفها مساحات جامعة للحوار والتلاقي، وتعكس شكل العلاقات اليومية التي قامت على القرب والتواصل، وظلت حاضرة في الذاكرة الجمعية للسكان عبر أجيال متعاقبة.
وتحتفظ هذه المجالس بدورها بوصفها أماكن استقبال مفتوحة، حيث تستقبل الضيوف والعابرين، وتنقل الحكايات والتجارب، وتوفر مساحة للحديث وتبادل الرأي، في بيئة تعرف الجميع ولا تفرق بينهم، وتمنح اللقاء طابعًا إنسانيًا مباشرًا.
وتبرز قرى منطقة الحدود الشمالية مثل لينة التاريخية ولوقة والدويد وأم رضمة كنماذج حية لهذا النمط الاجتماعي، إذ شكلت مجالسها نقاط التقاء أساسية، ومنها انطلقت قصص الناس وأخبارهم، وانتقلت القيم والعادات من جيل إلى آخر دون انقطاع.
وتتسع مجالس البيوت الطينية لأهل القرية وضيوفها على حد سواء، ولا تضع حدودًا فاصلة بين الداخلين، إذ يجلس الجميع في مساحة واحدة، ويتشاركون الحديث والطعام، بما يعكس مفهوم المشاركة الذي قام عليه المجتمع المحلي في تلك المناطق.
وتؤدي هذه المجالس دورًا اجتماعيًا يتجاوز الاستضافة، حيث شكلت عبر الزمن مجالًا لحل الخلافات، وتبادل المشورة، واتخاذ القرارات، وأسهمت في تعزيز الترابط بين الأسر، وترسيخ قواعد التفاهم والاحترام المتبادل داخل المجتمع.
وتعتمد البيوت الطينية في بنائها على مواد مستمدة من البيئة المحيطة، مثل الطين والحجر وجذوع الأشجار، وهو ما لبّى احتياجات السكان في ظل الظروف المناخية، ووفّر أماكن ملائمة للاجتماع، دون كلفة عالية أو تعقيد في البناء.
وتعكس طريقة البناء أسلوب الحياة السائد آنذاك، حيث ارتبطت البساطة بالوظيفة، وظهر الاهتمام بالاستفادة من الموارد المتاحة، وهو ما أسهم في تشكيل شخصية الإنسان الفطرية، القائمة على القرب من المكان والاعتماد على الذات.
وتجسد المجالس الطينية صورة الإنسان بعفويته وصفائه، بعيدًا عن مظاهر التعقيد، إذ كانت اللقاءات تقوم على الحضور المباشر، والحديث الصريح، والاستماع المتبادل، وهو ما جعل المجالس مرآة صادقة لطبيعة العلاقات الاجتماعية.
وتسهم هذه المجالس في حفظ الموروث الثقافي غير المكتوب، حيث انتقلت من خلالها الأمثال والحكايات والتجارب، وتكوّن وعي جماعي يستند إلى الذاكرة المشتركة، ويعزز الإحساس بالانتماء للمكان والناس.
وتحافظ مجالس البيوت الطينية على حضورها في المشهد الثقافي للحدود الشمالية، رغم تغير أنماط الحياة، بوصفها رمزًا اجتماعيًا يعكس شكلًا من أشكال العيش المشترك، ويعيد التذكير بقيم التواصل التي قامت عليها المجتمعات المحلية.
وتبقى هذه المجالس شاهدًا على مرحلة تاريخية، لم تكن فيها البيوت مجرد جدران، بل فضاءات مفتوحة للقاء، ومراكز يومية للحياة الاجتماعية، أسهمت في بناء الإنسان والمكان معًا، وتركَت أثرًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.





